الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المقدمة الأولى في التفسير والتأويل وكون التفسير علما التفسير مصدر فسّر بتشديد السين الذي هو مضاعف فسر بالتخفيف ، من بابي نصر وضرب الذي مصدره الفسر ، وكلاهما فعل متعد فالتضعيف ليس للتعدية . والفسر الإبانة والكشف لمدلول كلام أو لفظ بكلام آخر هو أوضح لمعنى المفسّر عند السامع ، ثم قيل المصدران والفعلان متساويان في المعنى ، وقيل يختص المضاعف بإبانة المعقولات ، قاله الراغب وصاحب « البصائر » ، وكأن وجهه أن بيان المعقولان يكلف الذي يبينه كثرة القول ، كقول أوس بن حجر « 1 » : الألمعيّ الذي يظن بك الظ * ن كأن قد رأى وقد سمعا فكان تمام البيت تفسيرا لمعنى الألمعي ، وكذلك الحدود المنطقية المفسّرة للمواهي والأجناس ، لا سيما الأجناس العالية الملقبة بالمقولات ، فناسب أن يخص هذا البيان بصيغة المضاعفة ، بناء على أن فعّل المضاعف إذا لم يكن للتعدية كان المقصود منه الدلالة على التكثير من المصدر ، قال في « الشافية » : « وفعّل للتكثير غالبا » وقد يكون التكثير في ذلك مجازيّا واعتباريا بأن ينزل كدّ الفكر في تحصيل المعاني الدقيقة ، ثم في اختيار أضبط الأقوال لإبانتها منزلة العمل الكثير كتفسير صحار العبدي « 2 » وقد سأله معاوية عن البلاغة فقال : « أن تقول فلا تخطئ ، وتجيب فلا تبطئ » ثم قال لسائله أقلني : « لا تخطئ ولا تبطئ » . ويشهد لهذا قوله تعالى : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [ الفرقان : 33 ] . فأما إذا كان فعّل المضاعف للتعدية فإنّ إفادته التكثير مختلف فيها ، والتحقيق أن

--> ( 1 ) كما في « الصحاح » و « التهذيب » ، ويروى لبشر بن أبي خازم يرثي فضالة بن كلدة كما في « العباب » . ( 2 ) صحار بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملتين ، وهو ابن عياش ، بليغ من بلغاء قبيلة عبد القيس في صدر الدولة الأموية .